السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

455

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وأما المراد بالكلمة فقد قيل : إن المراد به المسيح عليه السّلام من جهة أن من اسبقه من الأنبياء أو خصوص أنبياء بني إسرائيل بشروا به بعنوان أنه منجي بني إسرائيل ؛ قال في نظير المورد هذه كلمتي التي كنت أقولها ، ونظيره قوله تعالى في ظهور موسى عليه السّلام : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ( الأعراف / 137 ) ، وفيه أن ذلك وإن كان ربما ساعده كتب العهدين لكن القرآن الكريم خال عن ذلك بل القرآن يعد عيسى بن مريم مبشرا لا مبشرا به ، على أن سياق قوله : اسْمُهُ الْمَسِيحُ لا يناسبه فإن الكلمة على هذا ظهور عيسى الخبر به قبلا لا نفس عيسى ، وظاهر قوله : اسْمُهُ الْمَسِيحُ ، أنا لمسيح اسم الكلمة لا اسم من تقدمت في حقه الكلمة . وربما قيل : إن المراد به عيسى عليه السّلام لإيضاحه مراده تعالى بالتوراة ، وبيانه تحريفات اليهود وما اختلفوا فيه من أمور الدين كما حكى اللّه تعالى عنه ذلك فيما يخاطب به بني إسرائيل : وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ( الزخرف / 63 ) ، وفيه أنه نكتة تصحح هذا التعبير لكنها خالية عما يساعدها من القرائن . وربما قيل : إن المراد بكلمة منه البشارة نفسها ، وهي الإخبار بحملها بعيسى وولادته فمعنى قوله : يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ : يبشرك ببشارة هي أنك ستلدين عيسى من غير مس بشر ، وفيه أن سيقال الذيل أعني قوله : اسْمُهُ الْمَسِيحُ ، لا يلائمه وهو ظاهر . وربما قيل : إن المراد به عيسى عليه السّلام من جهة كونه كلمة الإيجاد أعني قوله : كُنْ وإنما اختص عيسى عليه السّلام بذلك مع كون كل إنسان بكل شيء موجودا بكلمة كن التكوينية لأن سائر الأفراد من الإنسان يجري ولادتهم على مجرى الأسباب العادية المألوفة في العلوق من ورود ماء الرجل على نطفة الإناث ، وعمل العوامل المقارنة في ذلك ، ولذلك يسند العلوق اليه كما يسند سائر المسببات إلى أسبابها ، ولما لم يجر علوق عيسى هذا المجرى وفقد بعض الأسباب العادية التدريجية كان وجوده بمجرد كلمة التكوين من غير تخلل الأسباب العادية فكان نفس الكلمة كما يؤيده قوله تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ( النساء / 171 ) ، وقوله تعالى في آخر هذه الآيات : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الآية ؛ وهذا أحسن الوجوه .